الليل، حيث يخلو العالم من شتى أنواع الضجيج التي تغزوه في معظم فترات اليوم، ينتهي ضجيج بالأحرى ويبدأ أخر، ضجيج من نوع أخر، لأرواح من نوع أخر، هكذا هو الوجود، تعاقب الضجيج وتعاقب الأرواح. بصراحة، لا أخفيكم حبي لليل، وللأرواح الذي تملأ ثناياه، أخرج من جحري في تلك الأوقات التي تضعف فيها حركات البشر، أتنفس ذلك الهواء اللطيف الذي ينقص فيه الشر بوضوح.
مرة جلست في منتزه عمومي، به إنارة خفيفة هنا وهناك، أشجار كثيفة نوعا ما تملأه، أرمق امرأة طويلة وفاتنة القوام، تقف رافعة رأسها كأنها ملكة، ترتدي تنورة وطالونا وتحمل حقيبة يدوية، قوامها أخاذ يزرع الفرحة في النفوس، بين الفينة والأخرى تخرج من حقيبتها مرآة تتفقد من خلالها وجهها وترفع بيدها شعرها الذي يتدلى حينا فحينا، كأنها على موعد غرامي مع عشيقها، تنتظر قدومه وهي بكامل تأنقها.
فجأة، يتراءى لي رجل في الجهة المقابلة للمرأة، يتمايل، حتما انه سكير، لا أعرف من أين خرج، هل قذفته إحدى الحانات أم انتهى لتوه من جلسة خمرية مع أمثاله من محبي السكر الليلي الأخاذ، في يده قارورة لا تزال في قعرها قطرات أبى أن يرميها، يمضي خطوتان إلى الأمام فيتوقف، يرفع القارورة ويكلمها وبعدها يعانقها، المشهد سريالي، على أي، يتوجه نحوها، أقصد المرأة، أخشى أن يعنفها، وأنتظر أن تهرب هي، أمسك بقلبي وكأني أخاطبها بصمت، هيا اهربي، انه سكران، هل أنت حمقاء، لماذا تجلسين هكذا دون خوف والعربيد يتجه نحوك…
لم يحدث ما تخيلته، خاب توقعي، الاثنان يبدوان كأنهما يعرفان بعضهما البعض، ذلك يبدوا من خلال المصافحة، هو يميل حتى يكاد يسقط وهي تحاول مساعدته، استغربت وتابعت مشاهدة المنظر، كأني أمام مشهد سينمائي، يا لها من كائنات ممتعة ومؤنسة، الناس العاديين ناذرا ما يصنعون مثل هذه الفرجة، أريد أن أقترب منهما، ولكن فكرت مليا وقلت في نفسي من سأكون بالنسبة لهما، سأبدو في نظرهما غريبا غير مرغوب فيه، ربما، تركت المشهد لحاله، سأكتفي بالمشاهدة والاستمتاع، يبدءان بالحديث، يلجئان إلى الكرسي الإسمنتي، يجلسان، ماذا سيقع بعدها. ها أنا أشهد حوارا ليليا.
يحدثها قائلا؛
– أيتها العاهرة، صديقتي الساقطة، ها هو الليل قد حل، ها نحن مجددا أمام الحقيقة، ها نحن مرة أخرى في دوامتنا، أنا أبحث عن الحقيقة وأنت تبحثين عن زبون مفترض، تبحثين عن دريهمات لتعيشي، اللعنة، نحن لعنة، أنا مجرد سكير (يقهقه)، أنت عاهرة (يقهقه من جديد)…
يرفع القارورة، ينظر إلى السماء، يقوم ليتمشى فتقعده صديقته العاهرة، فتتحدث بدورها إليه، فيبادلها أطراف الحديث، أما أنا فأستمتع بغرابة وعمق ما يقولان؛
- نعم، الليل، سقوط الأقنعة، حديث الصمت، نحن والعهر.
- ماذا تقصدين ب “نحن والعهر”، أأنا عاهر مثلك.
- ربما.
- لا، أنت العاهرة، هاهاهاهاه….
- أنت أيضا، ولكنك بدون زبناء، هاهاهاها…
- يا لك من امرأة غريبة، أو عاهرة غريبة…
- يا لك من سكير.
- السكير يعرف الوحدة ويعرف الحب، وأنت لا تعرفين ايا منهما، أنت دوما مع زبنائك، لا تستطيعين الاستمتاع بالوحدة، ورغم كل ذلك لا تستطيعين أن تحبي.
- الزبون لا يصير حبيبا، هو فقط يبادل المال بالجنس.
- فليكن، شيئان يحركان العالم، المال والجنس.
- نعم فالمال يشتري الجنس.
- ولكنه لا يشتري الحب.
لا أخفيكم أني أستمتع يهديانهما، بحركاتهما…
(يتبع)
محمد هروان.







يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.