مميزة

كائنات ليلية: “الجزء الأول”

الليل، حيث يخلو العالم من شتى أنواع الضجيج التي تغزوه في معظم فترات اليوم، ينتهي ضجيج بالأحرى ويبدأ أخر، ضجيج من نوع أخر، لأرواح من نوع أخر، هكذا هو الوجود، تعاقب الضجيج وتعاقب الأرواح. بصراحة، لا أخفيكم حبي لليل، وللأرواح الذي تملأ ثناياه، أخرج من جحري في تلك الأوقات التي تضعف فيها حركات البشر، أتنفس ذلك الهواء اللطيف الذي ينقص فيه الشر بوضوح.

 مرة جلست في منتزه عمومي، به إنارة خفيفة هنا وهناك، أشجار كثيفة نوعا ما تملأه، أرمق امرأة طويلة وفاتنة القوام، تقف رافعة رأسها كأنها ملكة، ترتدي تنورة وطالونا وتحمل حقيبة يدوية، قوامها أخاذ يزرع الفرحة في النفوس، بين الفينة والأخرى تخرج من حقيبتها مرآة تتفقد من خلالها وجهها وترفع بيدها شعرها الذي يتدلى حينا فحينا، كأنها على موعد غرامي مع عشيقها، تنتظر قدومه وهي بكامل تأنقها.

 فجأة، يتراءى لي رجل في الجهة المقابلة للمرأة، يتمايل، حتما انه سكير، لا أعرف من أين خرج، هل قذفته إحدى الحانات أم انتهى لتوه من جلسة خمرية مع أمثاله من محبي السكر الليلي الأخاذ، في يده قارورة لا تزال في قعرها قطرات أبى أن يرميها، يمضي خطوتان إلى الأمام فيتوقف، يرفع القارورة ويكلمها وبعدها يعانقها، المشهد سريالي، على أي، يتوجه نحوها، أقصد المرأة، أخشى أن يعنفها، وأنتظر أن تهرب هي، أمسك بقلبي وكأني أخاطبها بصمت، هيا اهربي، انه سكران، هل أنت حمقاء، لماذا تجلسين هكذا دون خوف والعربيد يتجه نحوك…

لم يحدث ما تخيلته، خاب توقعي، الاثنان يبدوان كأنهما يعرفان بعضهما البعض، ذلك يبدوا من خلال المصافحة، هو يميل حتى يكاد يسقط وهي تحاول مساعدته، استغربت وتابعت مشاهدة المنظر، كأني أمام مشهد سينمائي، يا لها من كائنات ممتعة ومؤنسة، الناس العاديين ناذرا ما يصنعون مثل هذه الفرجة، أريد أن أقترب منهما، ولكن فكرت مليا وقلت في نفسي من سأكون بالنسبة لهما، سأبدو في نظرهما غريبا غير مرغوب فيه، ربما، تركت المشهد لحاله، سأكتفي بالمشاهدة والاستمتاع، يبدءان بالحديث، يلجئان إلى الكرسي الإسمنتي، يجلسان، ماذا سيقع بعدها. ها أنا أشهد حوارا ليليا.

يحدثها قائلا؛

– أيتها العاهرة، صديقتي الساقطة، ها هو الليل قد حل، ها نحن مجددا أمام الحقيقة، ها نحن مرة أخرى في دوامتنا، أنا أبحث عن الحقيقة وأنت تبحثين عن زبون مفترض، تبحثين عن دريهمات لتعيشي، اللعنة، نحن لعنة، أنا مجرد سكير (يقهقه)، أنت عاهرة (يقهقه من جديد)…

يرفع القارورة، ينظر إلى السماء، يقوم ليتمشى فتقعده صديقته العاهرة، فتتحدث بدورها إليه، فيبادلها أطراف الحديث، أما أنا فأستمتع بغرابة وعمق ما يقولان؛

  • نعم، الليل، سقوط الأقنعة، حديث الصمت، نحن والعهر.
  • ماذا تقصدين ب “نحن والعهر”، أأنا عاهر مثلك.
  • ربما.
  • لا، أنت العاهرة، هاهاهاهاه….
  • أنت أيضا، ولكنك بدون زبناء، هاهاهاها…
  • يا لك من امرأة غريبة، أو عاهرة غريبة…
  • يا لك من سكير.
  • السكير يعرف الوحدة ويعرف الحب، وأنت لا تعرفين ايا منهما، أنت دوما مع زبنائك، لا تستطيعين الاستمتاع بالوحدة، ورغم كل ذلك لا تستطيعين أن تحبي.
  • الزبون لا يصير حبيبا، هو فقط يبادل المال بالجنس.
  • فليكن، شيئان يحركان العالم، المال والجنس.
  • نعم فالمال يشتري الجنس.
  • ولكنه لا يشتري الحب.

لا أخفيكم أني أستمتع يهديانهما، بحركاتهما…

(يتبع)

محمد هروان.

مقهى السعادة (الجزء السادس)

(تتمة)

يوم آخر من أيام الله المتشابهة جمع كالعادة الأصدقاء في نفس المكان، اكتمل نصابهم بعد السابعة مساء، الجو بارد في الخارج، سي لحسن جهز المقهى بالمزيد من التدفئة، رغم عراك الأمس مع زبنائه، إلا أن وصالهم يتجدد، متناسين خلافات الأمس ممهدين الطريق لنزاعات أخرى قادمة لا محالة.

نبيل، حسن، البدين وسليم، مستعدين كما العادة لمواصلة حكيهم وبوحهم اللذان لا ينتهيان، الا بالتحاق كل واحد منهم بملاذهم وأين يقضي ليلته، في الأول عاتبوا نبيل على ما فعله بالأمس حين تركهم دون إكمال مغامرته مع خدوج في حصة من الحصص الجنسية الساخنة الى حد الهيجان، ولكنهم أكملوا العتاب بضحكة ظهرت على وجه الجميع، فأجمعوا على مطالبته بإكمال الأمر، وافق على مضض.

المهم أني قمت بتدليك خدوج، اقتحمت أنوثتها، وداعبت فرجها، بيدي ثم بقضيبي، العملية مرت بسلام، أنهيت النكحة الأولى، فاسترخيت، وبينما بدأ النعاس يقتحمني، أيقظتني وبيدها عصير وصينية بها أكل، أكلت وظهر لي من جديد أن أعاود معها الجماع، يا ليت خدوج تحضر معي طوال الوقت، لن أتوقف في مداعبتها…

حسن متدخلا، هكذا تقول دوما، لكن تذكر دوما أنه سيأتي اليوم الذي ستتعب فيه وتتراخى قواك، لا شيء يدوم. البدين يوقف حسن قائلا، ها أنت بدأت تتفلسف من جديد وكأنك خبير في الجنس، ما أدراك في هذه الأمور، أتركها لذوي الخبرة والتجربة، أما أنت فتكفيك أوراقك وكتبك، هيا لتنكحها. ضحك الجميع، تاركين المجال لنبيل لإكمال الحكاية، لكنه لم يرد ذلك قائلا، هذا كل ما جرى، لقد خرجت من عندها حين أنهيت النكحة الثانية، استمتعت بها أكثر من الأولى. سليم يخبرهم بأن النكحة الثانية هي الذهبية وهي النشوة الحقيقية مع المرأة، وافقه الجميع القول، وتركوا بعدها الفرصة لحسن كي يحدثهم عما يخفيه، هو خيارهم الثاني حينما ينتهي نبيل.

حسن بدأ بطرح سؤال، هل تودون أن أحدثكم عن الحب، ليس كما يفعل نبيل، لكن بمنظور آخر، أكثر صفاء ونقاء، أدار نبيل رأسه بعدما عرف أن  كلمات حسن محشوة بالمعاني والرسائل، ثارة ظاهرة واضحة وثارة ملغزة. واصل حسن، أحب يا أصدقائي…

أشعل سيجارة بينما الجميع يتوق لما سيحكيه، الكثير من التشويق لما هو آت.

كما قلت لكم الحب ليس أن تشتهي كل النساء، أو أن تداعب كل الفروج، أو أن تأسر كل يوم قلبا آخر، بل أن تأسر قلبا واحدا كل يوم… قاطعه نبيل، الحب أيها الأحمق بهذا المعنى لا وجود له، فبعد مدة من العشرة تكتشف أخطاء الطرف الآخر، وقد تمقته، بعد تهاوي الصورة التي رسمتها له في الوهلة الأولى أو في بداية العلاقة، ما تحبه في الأول تعززه صورة وهمية رسمتها في مخيلتك لما تريده وتتمناه أن يكون وليس لما هو كائن، الحقيقة شئ آخر يا حسن، غير تلك التي عرفتها في الكتب وأردت إسقاطها على أشخاص من أمثالنا.

ولكن يا نبيل حاول أن تفهمني…

(يتبع)

محمد هروان

مقهى السعادة. “الجزء الخامس”

نبيل يواصل الكلام، يواصل سرد مغامرته مع خدوج، هي مغامرة من بين المغامرات العديدة التي يملأ بها المقهى، جمهوره يتزايد، فحسن والبدين وسليم لا ينفكون عن التلميح بقدراته الخارقة في الايقاع بالفتيات والنساء، يلمحون لأصدقاء اخرين. حسن فكر في الأمر مليا، الدائرة بدأت تتسع، يا ليت الجمال ينتشر كما ينتشر القحب، كنا لنكون بحال أفضل…هكذا قال الشاعر في دواخله.

أتت اللحظة التي انتظرتها، لم تكن المدة طويلة كما تصورتها، أو كما عشتها، لكنها مرت طويلة لأنني اكتويت بلهيب انتظار الجمال، الجميلة خدوج قادمة إلي، فماذا عساي أن أفعل، وددت لو مر الوقت أسرع، لكنه مر، سيمر بكل الأحوال، أتت خدوج، لباسها الخفيف دوى صداه في عمق أعماقي، تنحني لترفع شيئا من على الأرض، يظهر صدرها، يتدلى راسما ذلك الانشقاق القاتل، الهيجان يزداد شيئا فشيئا، تناديني بصوتها العذب، نبيل، كيف حالك؟ هل تأخرت عليك؟ أنا بخير، بخير يا خدوج، بارك الله فيك، وفي أمثالك، لا أبدا، لا يجب أن تعتذري، أنا هنا من أجلك، أريد أن أسعدك يا خدوج. بهذه الحنكة خاطبها، مسخوط هذا النبيل، وهذه من بين أسرار موهبته، يخاطب العاهرات كما الأميرات، لذلك يتمكن من كل ما يؤتى من خيرات.. خدوج تقترب مني يا سادة يا كرام، وأنا أفتح دراعي لاستقبالها بكل كرم وسخاء، أنا لك اليوم، رطبة الملمس، فمها لا يترك لي الفرصة لالتقاط أنفاسي، أغرس يداي في صدرها الحريري، تتأوه، العملية تزداد لهيبا. خاطبتها، وأنا منهمك في تدليك جسدها كاملا، توقفت وقلت لها، خدوج، ردت بصعوبة وهي في أوجها، ماذا يا نبيل؟ ماذا؟ لماذا توقفت؟ أردت فقط يا خدوج أن أعترف لك بشئ، أردت أن أقول لك… قل يا نبيل، قل.. أنا يا خدوج لا أجد من النسوة جميلة مثلك، أنا أعرف الكثير الكثير من الفروج، فرجك استثنائي، لماذا أنت هكذا؟ لماذا جمالك لا يوجد عند الأخريات؟ لماذا فقط؟ تحدثي، قولي شيئا، لا تصمتي.. ضحكت خدوج، وقالت له، واصل أيها الوحش، واصل، التهم ما أمكن، أنا أعرف ألاعيبك.

سكت نبيل لبرهة، يأخذ نفسا، يعيد تدوير أفكاره في رأسه، يتريث، بينما ملأه الصمت، تدخل البدين قائلا، وماذا حدث بعد ذلك، أخبرنا، أجابه، انتظروا، سأكمل حالما أتناول سيجارة، أيها النادل، أريد سيجارة، أو اثنتين من فضلك.

قام نبيل، بينما عم السؤال حول وجهته، خرج ولم يعرف أحد إلى أين يتجه، أتى النادل بالسيجارة، ألقاها فوق الطاولة، من منكم طلب السيجارة؟ أجاب حسن، نبيل هو من طلبها، لكنه رحل، النادل متذمرا، هذا لعب الأطفال، كفوا عن هذا “التبرهش”، لقد كبرتم على ذلك، وزد على ذلك أنكم بلا عمل ولا شأن، أجابه البدين، أنت هنا للعمل، أنت هنا لتحضر الشاي والقهوة للزبناء، لا أن تعطيهم دروسا. النادل أحس بنوع من القلق، وهل أنتم أصلا زبناء، أنتم عالة وفقط، على المقهى وعلى المجتمع، تجلسون طوال النهار، حول براد واحد، وفي الأخير لا تدفعون ثمنه إلا بعد ضجيج وسباب، هل مثلكم يستحق الاحترام، قام البدين منفعلا، ستذهب وإلا سأقوم بنبش عيناك… أتى سي لحسن بعدما سمع عراكهم يتنامى، بصوته الخشن يسأل، ماذا يقع هنا؟ هل من خنزير أحس بأنه به ضلعا زائدا، خاطب النادل، هيا عد إلى عملك، هيا. أجاب النادل، حاضر سيدي، لكن هؤلاء… لم يكمل النادل حتى قام بطردهم واحدا تلو الأخر، اذهبوا إلى أمهاتكم أيها الأطفال، هذا مقهى وليس حضانة، هرولوا لإخلاء المكان، وانتهت الليلة هكذا، كما العادة، لكن في الغد بدأ جديد، سيتجدد كل شئ، وستظهر أحداث أخرى. أما نبيل، فقد غادر في الضوء قبل الظلام كما يقال. (يتبع)

محمد هروان.

في الحاجة إلى فكر جديد ودور المثقف في عالم اليوم :

     تحتاج الأمم على الدوام إلى القيام بمراجعات نقدية لأنساقها الفكرية، وذلك قصد تجاوز كل ما قد يعرضها للتأخر وعدم مسايرة عصرها. فيما سيأتي محاولة متواضعة  للتساؤل ليس إلا، قصد محاولة اكتشاف أين الخلل في منظومتنا الفكرية خاصة في دول عالمنا الثالث، لهذا فمحاولتنا ليست تقديما لحلول سحرية أو ناتجة عن معرفة دقيقة، فلست مثقفا ولا مفكرا، ولكنني رجل يود أن يتساءل بدون توقف، فالتوقف عن السؤال توقف عن الحياة، وتوقف عن النمو والسير قدما. وتجدر الإشارة إلى أننا في عالم اليوم نحتاج إلى رؤية جديدة للتصالح مع بيئتنا الثقافية والطبيعية، لأن تجديد الفكر هو إحياء للعالم الذي أضحى يواجه أخطارا متصاعدة تقوده شيئا فشيئا نحو المجهول، هذه الأخطار نرجعها إلى عاملين رئيسيين أولهما بشري مرتبط أساسا بالممارسات السياسية والاقتصادية، خصوصا الناتجة عن ايديولوجات تسعى للهيمنة، ما يولد تفكيرا منفصما ووعيا شقيا في العالم بأسره، وسط دوامة يسودها التعصب القومي والديني، لنغلق القوس… وثانيهما، عامل طبيعي يؤثر في الأول ويتأثر به، فالممارسات السابقة الذكر أرضخت الطبيعة وجعلتها تعاني الويلات، فاستجابت بتغيرات مناخية تهدد مصير الأرض، وبتراجعات على شتى المستويات.

أولا : دور المثقفين في المراجعة الفكرية للمجتمع.

  المثقف في كل مجتمع هو بمثابة القلب النابض، فبدونه لا يمكن له أن يكتشف مميزاته التي ينبغي تطويرها ولا ثغراته التي يجب استدراكها قبل حلول الكارثة. له دور المصحح للمسار، ودور المتمرد دوما، وهو الذي يقول لا لكل أشكال الإضرار بالإنسان وبالطبيعة، له القدرة على الاحتجاج والترافع من أجل السير قدما بالحياة الإنسانية فوق الأرض، يشعر ويتحسس ألام الآخرين ويمنحهم الأمل ولو في دوامة من العدمية والسوداوية، يرفض الدوغمائية ويحتج على كل تطرف وكل تعجرف كيفما كان، هو الذي يتدخل باختصار حتى فيما لا يعنيه كما قال سارتر، وله وظائف مختلفة باختلاف المجتمع الذي ينتمي إليه، فمنه يستنبت مفاهيمه ومن أجله يبلور مشروعا مجتمعيا متكامل الأركان.

    فللمثقف من هذا المنظور دورا تاريخيا، بما تحمله الكلمة من معنى. وعندما نقول دور تاريخي فإننا نقصد أن للمثقف مسؤولية جسيمة، تتمثل في  الإحاطة بماضي وواقع وحتى بمستقبل شعبه والعالم أجمع  لما لا.  نقول هذا لأن هناك من يرى التاريخ بمنظور ضيق، ويعتبره فقط كل ما مضى وعفا عنه الزمن. المثقف إذن هو الأقدر على فهم ماضي المجتمع وفق نسق فكري يقتضي التحقيق والتحليل للوقوف عند مكامن الخلل في حياة السابقين وإدراك المستوى الذي وصلوا إليه وتوقفوا عنده قصد الاستمرار أو إحداث القطيعة،  وهو أيضا ذو المكانة الأجدر لنقد حاضر وواقع مجتمعه من خلال آليات تهدف إلى تقديم التحليل العلمي والعملي لما يقع، وبهذا استشراف المستقبل ووضع الخطط الكفيلة بتفادي الأسوأ وتوفير ظروف لائقة لأجيال ستأتي، كل ذلك من المفترض أن يقوم به المثقف وهو محتفظ وحريص بشدة على الموضوعية، التي ظلت من أهم سمات كل من نسميهم مثقفين.

المثقف هو البوصلة لشعبه، وخصوصا إذا كان تائها كشعوبنا، وعليه أن يحارب ضحالة  الفكر والتفاهة ويحاول أن يفهم للناس أولا دور التغيير والمراجعة بشكل يومي لفكرهم، ويقنعهم بأهمية التفكير لتجاوز قصورهم والارتقاء لمرتبة تمكنهم من الحصول على صفة “الإنسان” بما للكلمة من معنى، لأن الشعوب ميالة إلى الاحتفاظ بنفس النمط ورفض كل ما  جديد، لأنه يزعزع استقرارها ويزرع الشك في يقينياتها، وهذه أيضا من المهام المنوطة بالمثقف، زرع الشكوك، إذن هو القادر على زرع الجرأة في استخدام العقل، كي يحقق مبتغى كانط في معرض حديثه عن الأنوار.  ومن هنا فمهمة المثقف أن يحاول مواجهة الأفكار القديمة والتي لم تعد صالحة بتبصر كي لا يصبح عدوا للجماهير فيما من المفترض أن يصاحبها وينصهر معها في مواجهة مصيرها، أن يصبح عضويا بتعبير أنطونيو غرامشي، لذلك فوظيفة المثقف صعبة جدا، بيد أنه اختارها عن طواعية وعليه أن يكون مستعدا لمواجهة شتى الأخطار. ولا ننسى أن للمثقف مكانة السفير لثقافته، فهو الذي يعكس فكره وثقافته، لذلك وجب عليه أن ينخرط في الانفتاح الواعي لمجتمعه على العالم، لاحتواء تعدديته واستيعابها والاستفادة من عصارة الفكر البشري، هو ما يسميه عبد الكبير الخطيبي “النقد المزدوج” في كتاب يحمل ذات العنوان، وسنعود إليه لاحقا، إذا سمحت الأقدار بذلك… ومعه واجب على المثقف أن يواجه وبوعي تام كل أشكال الهيمنة التي يواجهها مجتمعه في سياق الانفتاح على الأخر. انه إذن حامل لخطاب ورسالة وفي نفس الآن، هو مستعد للاستفادة من خطابات ورسالات أخرى، أو بعبارة أخرى تفكيك المفاهيم وبلورة أخرى.

ثانيا: المثقف في عصر التطور التقني الهائل والعولمة:

   إن ما يعانيه مثقفو عصرنا هذا لا هو أمر مخجل للأسف. المثقف مغترب يواجه مخاطر متعددة، وهذا ما دفع بالكثيرين إلى الانزواء، بعد أن كانوا متحمسين للجهر بالحقيقة، فقدر المثقف الآن أضحى، لن أقول السباحة ضد أو مع التيار، إنما رفض للسباحة في غالبية الأحيان. وهناك آخرون يعانون ليس من بطش الأعداء، إنما من غربتهم وسط الأصدقاء، فهم يخاطبون الجثث اللاهثة وراء الاستهلاك الغير معقلن لمنتجات عصر العولمة، لا حياة لمن يخاطب المثقف للأسف، فلم تعد انتاجاته تغري أحد، فيقتله من يدافع من أجلهم. ولعل كل ذلك راجع للمنظومة الكونية المعاصرة التي بقدر ما قربت المعرفة من الجميع أبعدتها، فأضحى الجميع محللا في كل الميادين، ولكن الفهم مختل وأعرج، وحينما يتدخل المثقف يواجه بالتنكيل والإبعاد، فهو لم يعد محتلا لمكانة مهمة في المنابر الثقافية والفنية، أصبح حبيس غرفته أو مقر عمله دون صدى من المفروض أن يحدثه في العالم. أعطيت المكان الأولوية للتافهين، في الوقت الذي لاذ فيه المثقف إلى الصمت أو إلى التواطؤ، فيما تم احتواء آخرون وأصبحوا حاملين لخطابات تمويهية،  لنغلق هذا القوس.

   خاتمة :

 إن المثقف هو الذي يصغي لصوت العقل ويرشد التائهين، فهل يا ترى سيسمع صوت المثقف؟ أم أن العالم سيمضي في حماقته تجاه الآخرين والطبيعة؟ أي وعي ينبغي بلورته في عالم يعرف تقدما تقنيا وتدهورا إنسانيا؟ كيف يمكن في ظل هذه الأوضاع أن يتدخل المثقف؟ وكيف يمكن أن يجبر الآخرين على الرجوع إلى صوابهم؟

إلى ذلك الحين، رافقتكم السلامة…

محمد هروان.

تابعوني على الفيسبوك:https://web.facebook.com/mohamed.harouan.3

انستغرام : https://www.instagram.com/p/B9aYy9XH8_B/?igshid=1xsyrl8tzohdr&fbclid=IwAR1Vz_8jdBL7f5nJOCF_o_dr_tCvipIflCt_VFJGdKXOKzrXkxT4GxZjG08

شذرات…

أردت فقط من خلال ما يلي من الأسطر أن أجمع أشياء ربما لا يستقيم أن تجمع، وربما أيضا هذا هو الهدف الأسمى من كتابة الشذرات، فشكلها الأدبي هو فقرات أحيانا تكون متكاملة من حيث المعنى وأحيانا متفرقة، هذا مرتبط بالكاتب وبنفسيته ونمطه وهدفه من خلالها.

عن الحياة أولا…

لا نأتي إليها برغبتنا الحرة، بل علينا أن نتحملها بدءا من عمر معين. ولا نغادرها بكامل إرادتنا، ولكن طوال حياتنا ونحن نملأ الدنيا هتافا بالحرية.

الحياة شيء والعيش شيء أخر. ما أوسع الفارق بينهما، وما أضيق أفق الإنسان.

 يعلموننا كل التقنيات كي نواجه صعاب الحياة. ناذرون هم من يعلمونا كيف نحيا حياة صالحة.

مرت من هنا أعداد لا تحصى من أمثالنا، لا شيء يستحق الذكر إلا تكرار للتكرار، النسخ كثيرة، والله يبحث فيكم عن الاستثناء.

تعلمنا أن نتعلم من حياة الآخرين، ولم نتعلم كيف نتعلم من حياتنا الخاصة.

لا يعرف المعنى الحقيقي للحياة إلا الذي يسعى كي يكون قطرة عسل في حياة الآخرين. رغم أن الآخرين ناكرون للجميل، وهذا ما يستدعي أن تكون في حياتهم قطرة العسل تلك.

القلب هو مصدر وعمق الحياة، نعم أؤكد ذلك، خصوصا اذا امتلاء بالاحساس. فما كل قلب يمنح الحياة.

كل الذين صادفتهم، حاولوا أن يعرفوا الكثير عن حياتي، أنا بنفسي لم أعرف عنها إلا القليل حتى الآن.

الحياة وقفة عز، والتاريخ يكشف من كانوا أحياء.

ستعرف الكثير عن حياة الآخرين، الذين تحبهم، إذا كنت تعيش لترى الابتسامة على وجوه هؤلاء.

معظم الذين يعرفونني، يظنون أنني متشائم، أنا كذلك بخصوص مصيرهم، أما مصيري فمتفائل بشأنه لأنني لا أهتم ب هالا ناذرا.

الحياة أمل، عمل، صدق… وبعد كل ذلك يأتي الموت.

عن الموت ثانيا…

لا يستقيم أن نتحدث عن الحياة دون الحديث كذلك عن الموت. لكنني حين اتحدث عن الحب لا يمكنني أن أتحدث عن الكره، لا أعرف عنه الا القليل.

الموت، شيء غريب لكنه جدي، غريب لأنه مفاجئ وجدي لأننا نعرف أنه سيأتي مهما تأخر.

كل الناس يموتون، البعض يحيون بعد الموت.

حتى الانتحار موت، لكنه تطرف فيه.

ما يموت فينا ونحن أحياء أشد إيلاما…

لا نكذب حين نتعرض للخذلان بشأن موت شيء فينا، انه يموت فينا فعلا.

الثقة حين تموت فينا لا تتجدد، وان تجددت فتبقى أيضا جثة بدون روح.

بيد أن البغض حين يموت فينا، عكس ما سبق تماما.

عن الوطن ثالثا…

بعد الحياة والموت، يأتي الحديث عن الوطن، ليس اعتباطيا، لكن الوطن هو الأقدر على أن يمنحنا إما الحياة أو الموت.

الوطن إما وطن وإما منفى، وطني أنا منحني اختيار ثالث، اختيار دون خيار.

لا أحب وطنا لا أحب فيه حتى الآلام.

وطني ماض بدون حاضر، وحاضر بدون مستقبل، ومستقبل بدون نحن.

المظلوم كل الأوطان أوطانه إلا الوطن الذي ظلم فيه.

أكره وطني ولا أحب من يكرهه، هذا نوع من الحب تجاهه.

الوطن هو المواطن والمواطنة والتوطن، أما الوطنية فهي مفهوم سياسي وعسكري.

من لا وطن له، يتخذ من الأدب وطنا.

عن الغرابة ثالثا…

الموت بعد الحياة، الغرابة بعد الوطن.

أنا غريب، لا يعني أن الجميع لا يعرفني.

الغربة والغرابة، لا أدري ما هو الفرق لأني لست لساني، لكن في الأدب أظن أني مغترب.

الغرابة نوعان، غرابة المألوف وغرابة غير المألوف.

الغرابة بعد عما نحب وعما نكره. وهذا ما جعلها غرابة، هي شيء لا تعريف له. هي اللاتعريف.

الغرابة ليست ميلنكوليا، إنها شيء أخر.

غرابة الغريب شيء عادي، غرابة القريب شيء عائلي.

الغرابة ليست منفى، هي وطن من لا وطن له.

الغرابة يثيرها أيضا ما تعودنا عليه، ويستنهض تساؤلنا حول ما الدافع للتعود عليه.

لم يتمكن فرويد من إيجاد تعريف دقيق للغرابة، فهل أفعل أنا؟

تمكن محمود درويش من أن يكون غريبا بكل ما أوتي من لغته.

عن الأدب رابعا…

هو ميدان للإخلاص، طوبى للمخلصين في زمن أدب الاسترزاق.

هو قضية، هو مسيرة احتجاج. لا تكتب أدبا إن لم تكن ذا قضية.

إن كانت قضيتك عادلة، فلك مجد أدبي، إن لم تكن لك فلك القراء الرديئون.

الأدب هو ما كان وما ينبغي أن يكون.

الأدب الجيد هو الذي يخلف وراءه تأويلات لا تنتهي، بل تتجدد.

الكتاب الذي لا يضطرك لتعيد قراءته ليس كتابا جيدا.

الكاتب الجيد، شخص عادي قرر ألا يعيش كباقي الأشخاص العاديين.

الكاتب، الكتابة، الكتاب، المكتبة، استغنوا عنهم وسترون الكوارث.

تبا لمن جعلوا من الأدب شعبة لنيل شهادة ما.

عادة ما يتطرق الأديب إلى كل المواضيع، ناذرا إلى الأدب.

عن الحب خامسا…

هو خامس الأركان، وأولهم إن قمت بالعد العكسي.

هو الداء، هو الدواء.

إن قمت بعمل ما فقم به بحب أو لا تقم به في الأساس، حتى إن أحببت فأحبب بحب.

أنا أحبك، ليست مسألة لغوية، لا تقبل الإعراب، تقبل الاغتراب فقط.

نحن غريبون كثيرا لمن لا يعرفونا، غريبون أكثر لمن يحبونا.

أنا لا أفقه الكثير عن الحب، أنا أكتفي بأن أحب.

                                                                           محمد هروان.                                                                           الرباط. 2020

مقهى السعادة : (الجزء الرابع)

نبيل يواصل الحكي لأصدقائه وهو يقول، الانتظار يا أصدقائي شئ صعب جدا، يسحق كيان المرء، خصوصا عندما يكون شخص من نوعي، النوع العاشق للأثداء والمؤخرات، وخاصة عندما يكون موضوع الانتظار هو شخص مثل خدوج، صعب جدا أن أنتظر ولو لبرهة من الزمن قدوم الفرج، صدقوني يا أصدقائي أن قلت لكم أنني أعشق النساء وخصوصا، لم يكمل فقاطعه البدين قائلا، خصوصا خدوج، أجابه نبيل، شكرا لك يا بدين، نعم خدوج. بينما أخذ نبيل يتنفس بعمق رافعا رأسه نحو السماء قائلا، أمطري صدورا وفروجا أيتها السماء، أخذ أصدقائه يتفاعلون، وبدأ يحرك بدواخلهم غريزتهم الحيوانية، البدين يطلب منه أن يكمل، تابع يا نبيل، تابع، هيا، هذا الطلب بهذا الشكل يدل على عمق التشويق الذي يغزوا هؤلاء عندما يستمعون لمغامرات نبيل، حسن بدوره يذكر نبيل بأخر ما قاله طالبا منه أن يكمل، نبيل يرفع رأسه من جديد ثم ينزله قائلا، انتظروا قليلا حتى أخلذ في ذاكرتي من جديد جمال الطبابين وجما هذه اللحظة التي أسرد فيها غزواتي، خاصة ذلك الطبون الذي تحمله خدوج، خدوج أجملهن، خدوج هي الحياة، خدوج للحياة والحياة لخدوج.

بينما ظل نبيل يردد هذه الكلمات أخد حسن يضحك بكل ما أوتي من عنفوان، يرمقه نبيل فيطلب منه أن يتوقف، أتسخر مني أيها اللعين؟ أتحسبني لا أقدر على فهم استفزازاتك؟ يرد الشاعر، أنا فقط أضحك لأنك أصبحت تحب تلك القحبة بكل وله، يضحك الشاعر من جديد، يقوم نبيل من على كرسيه، خدوج ليست قحبة، أنت هو القحب، أما هي فأشرف منك، أنت ابن قحبه، يقوم الشاعر بدوره، صن فمك أيها الفاسق المجوسي وإلا حسبت أسنانك في الأرض، يحاول البدين وسليم أن يهدئا من روع الاثنين، بينما يهرول سي لحسن بدوره لتهدئة الوضع، ما هي إلا دقائق والدنيا هدأت والجميع يعود إلى موضعه، الكل يأخذ مخدرا من جديد كي يجددوا العقل، هذا ما يعتقدون مع كل حركة ومع كل سكون، المخدرات هي منطق اشتغالهم…

أعذرني يا نبيل، سامحني يا صديقي، لقد تأثرت بما تحكيه لدرجة أنني لم أعد أعرف ما أقول وما أفعل، أرجوك أكمل…. هكذا اعتذر حسن وهو ذو الثقافة الواسعة من نبيل المدمن على القحب، العقل هنا هو من ينحني أمام اللاعقل، هكذا هي الحياة في الحي بأكمله، يضيف حسن، نبيل لقد أثرت قبل قليل كلمة هزت كياني، بينما أراد حسن أن يتحدث قاطعه البدين، حسن أترك أولا نبيل يحكي لنا أما حكيك أنت فيلزمه وقته والعقل الذي يسمعه لا نتوفر عليه  الآن، أجابه  نبيل، أيها البدين أترك حسن يحكي لنا بدوره، فلديه ما يقول في عديد الأشياء، انصاع البدين لما قاله نبيل وواصل حسن كلامه، ما أردت أن أقول يا نبيل أنني متأثر بما قلته عن الانتظار، نعم انه  موقف عنيف، يسلب الحياة من المعنى كما يعطيها كذلك معنى، إن  الانتظار هو الذي يترك المساحة اللازمة لنعي معنى الأشياء الغائبة، موضوعات الانتظار.

تذمر أيضا سليم لأنه يعتقد أن كلام حسن محشو بأفكار لا تصلح  لشئ حسب ما يظنه، يحسبها جعجعة بدون طحين، يريد بدوره ما يخاطب الغريزة، لذلك طلب من حسن أن يصمت، ليستمعوا من جديد لنبيل، هذا قدر حسن، انه الغريب ولو بين أصدقائه، حديثه غير مرغوب فيه، ماذا يستطيع المرء أن يفعل حين يتحدث عن أشياء هامة ولكن ما من أذان تود استيعابه، هذا ما دار في ذهن الشاعر. (يتبع)

محمد هروان.

تابعوني على الفيسبوك:https://web.facebook.com/mohamed.harouan.3

انستغرام : https://www.instagram.com/p/B9aYy9XH8_B/?igshid=1xsyrl8tzohdr&fbclid=IwAR1Vz_8jdBL7f5nJOCF_o_dr_tCvipIflCt_VFJGdKXOKzrXkxT4GxZjG08

مقهى السعادة : (الجزء الثالث)

منذ مدة طويلة وهؤلاء هم المستقرون من شباب الحي في هذا المقهى لا يبرحونه إلا في أوقات النوم، أو عند الضرورة القصوى، هناك آخرون يأتون ويذهبون لكن لا يستقرون كهؤلاء الأربعة، هذا المقهى بالنسبة لهم كالوطن، يجدون فيه نوعا من الحرية ومتسعا للحديث الذي لا ينتهي، فهم يعيدون قصصا سبق أن سردوها من قبل، بالنسبة لهم يكفي تغيير بعض التفاصيل أو حذف بعضها ولا بأس في إضافة أخرى كي تتخذ الأحداث الشكل الذي يريدونه وتحظى بالإثارة المنتظرة منها.

في ليلة شتوية، بينما هم الثلاثة بالالتحاق بطاولتهم في زاوية بالمقهى، لوحظ غياب نبيل، فقام الثلاثة، البدين وحسن وسليم بتبادل النظرات، نظرات تعجب واستفسار، وسألهم حسن عن نبيل المتغيب، أين ذلك الفاسق؟ أجابه البدين بكل برودة فلنجلس وسيلتحق حالا، أما نبيل فلن يكون الآن إلا بين أفخاذ صديقته القحبة خدوج، لا مكان أخر يلجأ إليه في هذا البرد، أخذ الثلاثة يضحكون بعنف، ما أثار نوعا من السخط لدى سي لحسن صاحب المقهى، واعتذر منه سليم، أعذرنا يا عم لحسن، فقد كنا فقط نتساءل عن مكان تواجد صديقنا نبيل الآن، رد سي لحسن بعد أن علت وجهه ضحكة، صديقكم الآن في درب السعادة الذي تقطنه القحبة خدوج بدون شك، ضحك الجميع مرة أخرى، ومعهم سي لحسن، في الأثناء لمح البدين نبيل عند الباب وأشار إليه بأصبع، أنظروا الفاسق قد جاء، استداروا جميعا ليكتشفوا الأمر فضحكوا مجددا، واستقبلوه وهم مبتسمون، لاحظ بسرعة نظراتهم، فسألهم، أكنتم تظنون أنني كنت هناك عندها؟ (يقصد خدوج)، انتابهم الضحك من جديد، فقال له البدين احك لنا فقط كيف مرت الأجواء اليوم بين أثداء تلك القحبة، فلن تستطيع أن تخفي أنك كنت لديها، الجميع يضحكون مجددا، واستسلم نبيل لتفطنهم وبدأ يحكي لهم مغامرة اليوم، بها سيفتتحون ليلتهم هذه بعد أن جهزوا كل المواد المخدرة التي تصاحب الحكي، وطلبوا مشروباتهم، القهوة لنبيل وحسن والشاي لسليم أما البدين فقد قرر أن يتناول مشروبا غازيا رغم البرد القارس، هو دوما متطرف في اختياراته.

طلب منه حسن الشاعر، هيا انطلق أيها الفاسد المنحط، رد عليه، المنحط هو أبوك، فضحكوا من جديد، إنهم شباب في منتهى الحمق، جميع الحركات والسكنات تثير لديهم الضحك، حتى عند العراك يضحكون، أجاب حسن قائلا وهو المعروف بثقافته الأدبية، شر البلية ما يضحك يا نبيل، نبيل لم يفهم شيئا وظن أن حسن يريد منه أن يبدأ في قص مغامرة اليوم في دار القحبة خدوج، فأجاب مرحبا أيها الشاعر.  بدأ حسن بينما عم الصمت بين أصدقائه، منتبهين لما سيقول بعناية، وكل منهم يتناول ما يخدر العقل.

“اليوم تهلات فيا خدوج”، لقد أعدت لي طبقا من الكسكس باللحم، اعتنت بي وأكرمتني أكرمها الله، وبعد أن أكلت، استرخيت في بيت نومها، وبعد أن لاحظت تأخرها عني وأنا جد متشوق لمداعبة طبونها قمت من على السرير واتجهت نحو المطبخ، ما أن دخلت حتى وجدتها بلباس شبه شفاف، لحم مؤخرتها يتحرك بينما تقوم بغسل الأواني، جسم مغري ومثير، مسكت بثدييها الرطبين المنتفخين من الخلف وعضضت عنقها بلطف وانصاعت للأمر الواقع، وطلبت مني أن أنتظر الى أن تكمل غسل الصحون، “اللي زربو ماتو أنبيل” اذهب إلى غرفة العمليات (النوم) وسألتحق بك حالما أنتهي من هذه الصحون، كذلك فعلت، وعدت أنتظر على أحر من الجمر موعد التحاقها، وزبي كان واقفا مشتعلا، لا يقوى على الانتظار. (يتبع)

محمد هروان 2020

مقهى السعادة : (الجزء الثاني)

إلى جانبهما صديق أخر يدعى حمودة، شاب ممتلئ البدن، يدعوه الجميع ب “لعجل” رغم أن ذلك يضايقه أحيانا، خاصة عندما يناديه بذلك شخص من هؤلاء الذين يتخذ منهم أعداء، ففي هذا الحي لكل واحد أعداءه، إن لم تصنعهم ظروف موضوعية، يضطر هو لخلقهم في مخيلته، ويواجههم بالرفض ولا يتحمل منهم حتى التحية العادية العابرة، لقد حدث كثيرا أن لاحق حمودة أطفال الحي بالحجارة بعد أن نادوه بذاك اللقب.

لا يتناول هذا البدين المخدرات التي تحتوي على الدخان، ويظل يردد أنا لست “فرانا” فالحمقى هم من يدخلون الدخان لذواتهم، يكتفي بالبيرة، مشروبه المفضل، بليته التي يضحي بالغالي والنفيس من أجلها، لا يتوقف عن شربها، يسافر أحيانا كيلوميترات عديدة كي يقتنيها، إن لم يجدها لدى المروجون المحليين.  لكنه رغم ذلك شخص تقي، يخشى الله كثيرا على حد أقواله، يذكر الله سكرانا كان أم عاقلا، لذلك هناك من يصفه بولي الله، لا أدري لماذا أهل هذا الحي غارقون في توزيع الألقاب، ولو بدون أدنى تعقل أو حسن اختيار. البدين لا يعمل حاليا، كان في السابق حارسا ليليا في المدينة المجاورة، يحرس وكالة تجارية، الآن يكتفي بما يجود به عليه أبوه المتقاعد.

لعجل رغم جسده الممتلئ حد السمنة ليس كبيرا في السن، رغم أن من يراه يسلم فورا بذلك، فقط خلق الله هكذا يكون، ثارة متناسق، ولا بأس في أن نجد بعض الغرائب في الكون في أحيان أخرى، ولعل ذلك ما يزيد الحياة بعض الشاعرية. هذا الفتى السمين حالم جدا، يحلم بفتاة شقراء من أوربا، هناك حيث الملاذ الذي يصبوا إليه، كما حال أغلبية أصدقائه الآخرين، يريد أن يعيش مع شقراء أحلامه هناك في سلم وسلام، عندما يقص على الشباب من حوله أحلامه لا يتملكون أنفسهم، فيستسلمون للضحك بشكل فاضح، يحكي لهم عن مدى عشقه للصدور الرخوة التي تحمر مع كل لمسة، يظل يصف القوام الذي يحلم به، يصف جسدا أنثويا في قمة الرشاقة والبهاء، رغم أنه منذ زمن لم يقم ولو بربع ساعة من الرياضة، وبطنه يسبقه، يسعى لما هو متناقض مع ما هو عليه تماما، يستغربون كثيرا من أحلام لعجل، بعض الأحلام قد تبدوا للكثيرين أحيانا متطرفة، لكن لا بأس من التطرف في الحلم، الحلم كله تطرف، لا بأس  في أن نحلم فيما قد لا يتحقق، هكذا نكون على الأقل حققناه في خيالنا. هكذا يفكر لعجل.

معهم في المجمع أيضا شاب أخر لا يقل غرابة، انه سليم، المعروف بتجاربه الوفيرة في الغربة، حكيه هو مرتبط على الدوام بماضيه، ماض عايش فيه عديد الأصدقاء من عديد مناطق البلاد، عمل في وظائف شتى في الغربة، عمل كورتيا، في البناء، حمالا في الأسواق، نادلا في المطاعم. هو شخص يلقبونه ب ولد ميمتي، لأن أمه معروفة بالوقار في الحي، يحترمها الجميع، لما تسدي لهم من خدمات طوعا، يقال بأن “بركة” ما في يديها، يلجأ إليها المرضى، والعوانس، تعالج الكسور والأعطاب، هناك من يصف سليم بأنه “خرج لها من الجنب”. سليم مثير في أحاديثه، فحين يحكي وقائعه التي يضخمها، أحيانا، يحاول أن يظهر علو كعبه وعظمة تجاربه، كان في كل مرة يجادله فيها أحدهم يشير إلى أسنانه قائلا له “راه طيحنا السنان”، وهي جملة يريد أن يعني بها بأنه ذو خبرة وتجربة، أو في أحيان أخرى كان يقول “راه قطعنا السباط” وهي تشير إلى نفس الشئ، هو أيضا يتناول الكحول باستمرار. (يتبع)

محمد هروان.

مقهى السعادة : (الجزء الأول)

  في المقهى الشعبي بالحي ترى أدخنة متصاعدة وكأنك أمام صورة سريالية، لا وجود لمدخنة ولا لفرن عمومي ولا حتى لحمام قد ينتج مثل هكذا دخان، انه مقهى، مقهى وفقط. رواده في الأغلب من أبناء الحي، وأحيانا بعض الزوار الغرباء، ما أن تطأ قدم أحدهم المكان حتى تتراقص أسئلة عديدة في رؤوس المرتادين لهذا الفضاء، الغرباء أو البرانيين إما أن يكونوا عمالا في مجال البناء قادمون من مناطق أخرى أم بعض المعلمين الجدد حديثو التعيين في مدرسة الحي. يملأ ضجيج مرتفقي المقهى المكان، تسمع قهقهاتهم من مسافات بعيدة، معظمهم عاطلون عن العمل، لا وجود لأعمال ترضي طموحاتهم في المنطقة، أحيانا هناك من بينهم  من يسافر نحو الشمال، يمضي هناك أشهر، حين يعود ينفق معظم ما جناه في اقتناء الحشيش ويمضي لحظات عند القحباوات الموجودات شمال الحي، لا يعكر راحتهم أحيانا إلا تفتيش السلطات للمكان.

صاحب المقهى المسمى سي لحسن رجل أربعيني، ذو شارب كثيف، طويل القامة، مدمن حتى النخاع، يتناول الكيف بلا توقف، دائم الحضور في المقهى، يحب أن يرى ما يحدث في المكان بعينيه، يراقب حركات وسكنات النادل، يوظف فتيات أحيانا كنادلات ولكن يداه الخفيفتان اللتان تمتدان نحو كل ما هو دائري من صدور ومؤخرات لا تتركان أية فرصة لاستمرار إحداهن، وهو ليس الوحيد الموسوم بهذه القاعدة السيئة في المقهى. حوله على الدوام ثلة من أصدقائه، يلعبون الأوراق، أو يناقشون أمور الدنيا والدين وأخبار من مات ومن ازداد ومن تزوج ومن طلق في الحي، وأحيانا يتناولون بتحفظ كبير أمور الساسة والسياسيين، يفقهون الكثير من الأمور في الكثير من الأشياء، وخاصة عندما تكون جودة المخدر الذي في حوزتهم جد عالية، عندما ينشب عراك في المقهى يتدخل سي لحسن فتغدوا كلمته مسموعة على الفور.

في الجهة المقابلة لطاولة رباعة سي لحسن طاولة أخرى لا تقل أهمية وسخونة، مواضيع حساسة وتحليلات يتسابقون في تعميقها، بارعون في كل شيء، شباب موهوبين، مغامرات تحكى وكأنك أمام أبطال من عصر أخر، أكبرهم سنا هو نبيل، في عقده الثالث،  فتى بديع الخلقة، لا يتناول إلا السجائر، لكن بنهم شديد، عندما يتحدث يسود المجلس نوع من الصمت، يحكي مغامراته المتعددة مع النساء، لم يترك فرجا إلا وزاره،يأتي على الأخضر واليابس، يظل يردد طول الوقت، اللي طاح فالمقلة يتقلى، حبه للنساء والنوم يفوق كل التوقعات، المطلقات والعازبات والأرامل وحتى المرتبطات، أمه تناديه ب “بوبنات” أو “النعاس”، كم من مرة وجدت وهي تجمع خراب غرفته ملابس داخلية للنساء وأغراض أخرى كالأوقية الطبية، أما أبوه فهو إمام مسجد الحي، يشتمه طوال الوقت، ويعتبره ابنا غير صالح، لا يصلي إلا يوم الجمعة، إن هداه الله،  يعتبره شوهة ووصمة عار على العائلة المحافظة، كيف لا وهو إمام ينهى عن الفحشاء وابنه أكبر من كل فاحش، يطرده من البيت باستمرار، فتستقبله خدوج وهي قحبة معروفة لا تتردد في استقباله، هو رغم تعدد تجاربه لا يفضل إلا هي، ويقال من طرف بعض الأفواه أنها سحرته، إلى أن تضطر أمه إلى التقاطه من بين سيقان الفاسقة حدوج كما تدعوها فتعيده إلى البيت بعد صراع ضار مع الأب، خدوج هذه قحبة متمرسة، لا يشق لها غبار، يقول كل من زارها بأنها نعمة فوق الأرض، تزاول مهنتها بحرفية عالية، تقيم في الحي منذ زمن بعيد، يقال أنها من مناطق جد باردة في البلاد، وذلك مرجح أن يكون صحيحا، فمظهرها يوحي على ذلك، هناك رغم ذلك من يصفها بالمتغطرسة، لأنها لا تستقبل كل من يرغب في نكحها، تختار زبنائها بعناية، وتداوم على الاستحمام. ونعم القحب قحبها، هكذا يردد نبيل في كل مرة ينطق فيها اسمها.

من بين أصدقاء نبيل شاب آخر لا يقل أهمية وحنكة في الحي بأكمله،  هو حسن أو الشاعر كما يحلوا للكثيرين مناداته، يقال بأن لديه شهادة جامعية في مادة الأدب العربي، يحفظ الكثير من الأشعار، ومستواه الثقافي لا بأس به، عندما ينتهي نبيل من سرد مغامراته التقحبينية، يبدأ حسن حديثه، ويستشهد بأدباء وفلاسفة، يستمتع الجميع بأحاديثه رغم أن لا أحد تقريبا يفهمه، يزداد نقاشه أهمية كلما تناول المزيد من الخمر أو ما يعرف هنا ب “الماحيا البلدية” المصنوعة من التمر أساسا، هو لا يحب كثرة العلاقات مع النسوة كنبيل، مرتبط بفتاة واحدة رغم رحيلها، لا أحد يعرف أين هي ولكنه متشبث ومؤمن بعودتها، حاول مرارا أن يقول شعرا في رثائها، هناك من يقول ماتت وهناك من يقول هاجرت سرا إلى الطاليان، مشاعره  صافية خالصة، لكنه معطل عن العمل، يكتفي فقط ببعض النقود التي يعطيه إياها أخوه الأكبر عبد القادر مؤذن المسجد، عبد القادر أو عبيقة كما ينادونه، رغم رفضه التام لهذا اللقب، يأتي يوميا لمصاحبة حسن بعد خروجه من صلاة العشاء، يكون حسن في تلك اللحظات في أوج ثمالته. (يتبع)

محمد هروان.

المرحوم صديقي

“أيها الإنسان المهتوك القلب، الغارق في وحل الصدفة العمياء، في لغة الجنادب التي فقدت القدرة على الطيران، أنت لا تعرف شيئا البتة.” هكذا قال عبد الرحمان منيف في روايته قصة حب مجوسية.

أنا لم أعرفه إلا في الغربة، لم أكتشف حجمه إلا في الأسفار، رغم أنه كان صديقا لي لسنوات الطفولة وظل بعدها كذلك، يقال إذا أردت أن تعرف معدن صديقك فسافر معه، عاشره في المنفى بعيدا عن الديار، وأنا عرفت صديقي هناك، كنا منفيين لوقت ليس بالقصير، اكتشفت حقيقته ومعدنه النفيس، صديقا كان ونعم الصديق، عندما أتاني خبره، تحولت حياتي رأسا على عقب، وكأنني سقطت من ارتفاع شاهق، ما أعظم الصدمة، انكسرت، فقدت الإحساس، كطائر فقد القدرة على الطيران.

كانت الساعة تشير إلى الثامنة صباحا، الجو كان ماطرا، زخات مطر، للتو استفقت، خرجت إلى شرفة البيت كي استمتع بجمال الكون، ريح خفيفة محملة بقطرات تغسل روحي، السعادة تغمرني، أرى الناس في الخارج، هناك من يحمل مظلة وهو في الطريق إلى العمل، هناك من يجري عائدا كي لا يزداد الجو رداءة، استغرب لماذا نصف الجو بالرديء حينما تمطر؟ مع أنه في هذا الوقت يعج بالجمال، الأطفال يلعبون، يتسابقون، غير أبهين بالأمر، يعيشون اللحظة، هم ليسوا كالكبار لا يأخذون الحياة كثيرا على محمل الجد، ما أسعد الأطفال.

 أحضرت لنفسي كأس قهوة، إنها بالنسبة لي أخت هذا المنظر، مكملته، بطعمها الحلو المر، تذكرني بأشياء غائبة، توقظ في مخيلتي الكثير من النوستالجيا، تأثرت بكل هؤلاء الشعراء والكتاب الذين يصفونها، لا أدري هل أحبها لذاتها؟ أم أنني أقلد هؤلاء؟ ابتسم كل ما تذكرت هذا، على أي القهوة رائعة كروعة أشعار درويش، إنها الإحساس، إنها ما يملأ الفراغ، ما يوقظ فينا الكثير من الأشياء، إنها الأمل، إنها الواقع الذي نستسيغه رغم المرارة، حتى الإدمان.

 بعد مدة من جلوسي على الشرفة متأملا الجو البديع، نهضت من على الكرسي، كأن بي شيء غريب، سلت ذاتي، ما الذي يحدث لي؟ راجعت الأمر فقلت في دواخلي إنها لوعة الاستمتاع برونق الطبيعة فقط، لا شيء أخر، الجو جميل، لا أريد ما يعكر مزاجي الهادئ، عاودني الإحساس، كان أقوى من السابق، وكأن شيئا ما حدث أو سيحدث، حاولت مجددا أن أهدأ نفسي، قلت إنها مجرد هلوسات، أحسست وكأن الشرفة ضيقة،  صعدت أكثر، إلى الأعلى، سطح المنزل، الفضاء هنا أرحب، أتنفس أكثر، فتحت دراعاي، المطر يتهاطل بتزايد، الإحساس بالشيء الغريب يغزوني رغم ذلك، ما الذي حدث؟ ماذا يحدث؟ ما الذي سيحدث؟ اعتراني الكثير من الخوف في تلك اللحظات، الأسئلة في رأسي لا تنتهي.

بعد مدة، سمعت صرخات، آهات تتصاعد في الأرجاء، تأكد لي أن حدسي لم يخنني، هو لم يسبق أن خانني، خرجت من الدار، استوقفتني عند الباب امرأة طاعنة في السن، جارتنا الحاجة، نظرت إلي وهمت بالبكاء، الحسرة على محياها لا توصف، أنا فهمت من ذلك أن شيئا ما يعنيني قد حدث، وهو أمر مريب.

  • قولي لي يا خالة ماذا وقع؟ لماذا تبكي؟
  • يا ولدي.. انه..
  • انه ماذا، أخبريني…
  • صديقك يا ولدي…

لم أتصور في تلك اللحظة أن ما سأكتشفه هو خبر رحيله، كان ذلك أخر ما سيحدث بالنسبة لي، لكن من يعرف ما يقع، من يعرف ما الذي تخبئه الأيام، الإنسان لا يعرف الكثير في الكون، فقط يحس، يتألم، يعاني، وأحيانا يربي الأمل.

  • ماذا حدث له؟ هل أصابه مكروه؟
  • ما أعظم ما حدث يا بني..

صرخت بكل ما أوتيت من قوة، يا لهول الصدمة، يا لغدر الزمان، لقد خانتني الأيام مجددا.

  • لقد مات يا خالة، أليس كذلك؟

 لم تقدر أن تنطق بذلك، لم تود أن تجرحني أكثر، بكت فبكت، ثم رحلت، أما أنا فلم أجد لي في هذه اللحظات لا ملجأ ولا حضنا دافئا، الأسى والألم يعتصران قلبي المتهالك، وكأن كل بؤس العالم اجتمع لدي في لحظة. كيف أبكي؟ كيف أتحسر؟ إلى أين أذهب؟ مع من؟ لم أعرف أحدا من ذي قبل يخفف علي بقدر ما كان صديقي يفعل، لكنه الآن في عداد الموتى، لقد رحل، لقد مات…

لماذا أيتها الحياة؟ ما الذي فعلت بحق السماء كي أفقده؟  انه كان بوصلتي، كان الصديق الصادق الصدوق، تشاركنا الحلوة والمرة، لا يخون، لا يغدر ولا يكذب، يحضر في السراء والضراء، انه أعظم فقد عرفته في حياتي، كيف أحيا بعدك عزيزي، أستحي أن أفعل ذلك. هل أرثيك يا صديقي؟ لا أنا لست شاعرا، أخاف أن أخطأ في نظم القصيدة، وأي قصيدة تنظم في رثاء الفقيد؟ بأي اللغات؟ أرثي لحالي بعدك يا صديقي.

  منذ ذلك الحين وطيفه معي، لا يكاد يبرحني، كل الأيام مليئة به، لم أعرف فقدا أعظم منه، إنها تجربة الموت يا سادة، تعلمنا أننا لا نعرف شيئا، لسنا إلا ضيوفا ثقلاء الظل، فليتحملنا الزمن ولو قليلا، منها نتعلم ألا نثق كثيرا في الأيام، لا ندري ما الذي يخبأه الغذ.

محمد هروان.

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ