لــــماذا أكتــــــب؟


      وسط أشجار النخيل، أجلس وحيدا، متكئا على جدار الصمت، منفردا بذاتي، في هذا الفضاء الرحب الفسيح الممتلئ بالعذوبة والصمت، يعج بأصوات نابعة من كنه الطبيعة، عصافير تغرد هنا وهناك، تتراقص بين جذوع أشجار النخيل، هذه الأشجار تضمني وسطها بكل كرم، يحركها الريح الذي يهيج ويخفق باستمرار، تتدلى منها عناقيد تحمل ثمارها، أبصر فيها تواضعا رفيعا، تهمس للناظر والمتذوق بكل أناقة.

      أجد نفسي أكثر بكثير مما أكون عليه حينما أحاط بالجمع الغفير من الناس، أسراب من الأصدقاء تظل طوال الوقت تردد أهات مللت منها. هاهنا لا أخشى شيئا، أهب نفسي للطبيعة دون تردد، أخشى فقط أن أغدوا لعينا مدمنا لهذا التأمل الغريب، أخشى أن تدوم هذه الوحدة والعزلة الصاخبتين الثقيلتين.

    أكتب في هذا العالم الخاص، ليس خاصا بي، لكن لديه خصائصه المحددة، هذا ما أقصده،  لأن أبناء جيلي افتقدوها، لا تستهويني هوية جيلي، اختياراته وآفاقه الضحلة. فأنا مغرور متطرف أريد أن أظفر بأشياء غريبة وغير مرغوب فيها إلا ناذرا. تؤرقني علاقاتي المتعددة بأصدقائي، أضحت ثقيلة الظل، أريد أن أحضى بحيز أكبر من الوقت مع نفسي.

أكتب لأني ربما شخص مختلف، أو متخلف، لا أدري كيف أصنف نفسي، وهذا ما دفعني للكتابة، فقد أجد نفسي من خلال حروفي.

أكتب لأني أطمح للحصول على أشياء أكبر مني، ربما ألامسها من خلال ما أكتب.

أكتب لأني لم أعد قادرا على الدخول في حوارات ومحادثات جافة، لا أستطيع أن ألامس من خلالها أبعادا أعمق مما هو كائن.

أكتب لأن لي أحاسيس يصعب التعبير عنها، ولأنه في حالة التعبير عنها تموت لهفتها ولوعتها الأولى.

أكتب لأنه أريد أن أكون حيث لا يمكنني أن أكون.

أكتب لأن في الكتابة صناعة للاختلاف، نعم فللكتابة طقوسا مختلفة وخاصة، لها موسيقاها الخاصة، سكرها الخاص وعبثها الخاص، وانسجامها الخاص.

أكتب لأني شخص يوصف بالثرثرة، وأؤمن أن كثرة أحاديثي لن تجد أوفى من أن تخط على ورق.

أكتب لأني أربط علاقات جديدة، مع أشياء جامدة، أكلمها، لأني ألتقي بذاتي الفقيدة وسط الجمع الغفير.

أكتب لأني أريد أن أصارح الجميع ولا أصارح أحد. لأني بعيد عن الجميع بقدر اقترابي منه.

أكتب لأني أيضا أحب وأكره، أريد أن أثبت ذلك على الورق، أكتب لأني أحمل في دواخلي قضية، لأني في أعماقي شيئا من الهيام والعشق، من النكد والفظاظة.

أكتب لأن لدي أحلام، أكتب حينما تراودني، وأحلام أخرى تراودني حينما أبدأ الكتابة.

أكتب لأني أخشى من أن تتحقق أحلامي، إني أخشى في الغد أن أبقى بلا أحلام، فلا يكون لي دافع يتركني أندفع لما بعده.

أكتب لأني أريد أن أخلد كلمتي، قل كلمتك قبل أن تموت… هكذا قال شكري.

أكتب لأني أحس بأني مجنون، لا أحد يتحمل جنوني، أحب بجنون وأكره كذلك، تبا أنا متطرف الإحساس.

أكتب لأن بداخلي أصوات تتعارك وتتزاحم وتتسابق للخروج، أرتبها على الورق، أقتل لهيبها بالكتابة.

أكتب لأني لا أجيد الكتابة، بل بهذه الممارسة ربما أستطيع يوما أن أجيدها.

أكتب لأني أخبأ بداخلي ماض أرى أنني أقدر أن أعيده بالكتابة، أعيد فيه ما يحلو لي وأنسى ما يخجلني منه، بتذكره على الورق أعيد قتله، نسيانه.

أكتب لأني متحد، أؤمن بضرورة أن أولد بعد الموت، لأن في شيء من نيتشه.

أكتب لأخلق لي أصدقاء جدد، أعود اليهم لاحقا، فأبتسم ابتسامة الساخر من نفسه.

أكتب من مرارة الفقد، فهل في اللغات من قادرة على تعويضي عما فقدت.

أكتب لي ولها، لهم ولهن، للمكان، للزمان، للذاكرة…

أكتب لأني أبعدت من أراد الاقتراب، وقربت من أراد الابتعاد.

أكتب لأني أحس بالضجر، لأني أحس بأني رجل نزيه، أكتب للغرباء والأحبة.

عبثا أكتب لمن يقرأ وحتى لمن لا يقرأ.

أكتب لصديق.

أكتب لعدو.

أكتب لغريبة.

أكتب…

                                         محمد هروان   29/08/2019   

نُشر بواسطة mohamedharouan

.أحاول قدر الامكان أن اخلق من الحروف فضاء أرحب من الذي اعيش فيه

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ