
أردت فقط من خلال ما يلي من الأسطر أن أجمع أشياء ربما لا يستقيم أن تجمع، وربما أيضا هذا هو الهدف الأسمى من كتابة الشذرات، فشكلها الأدبي هو فقرات أحيانا تكون متكاملة من حيث المعنى وأحيانا متفرقة، هذا مرتبط بالكاتب وبنفسيته ونمطه وهدفه من خلالها.
عن الحياة أولا…
لا نأتي إليها برغبتنا الحرة، بل علينا أن نتحملها بدءا من عمر معين. ولا نغادرها بكامل إرادتنا، ولكن طوال حياتنا ونحن نملأ الدنيا هتافا بالحرية.
الحياة شيء والعيش شيء أخر. ما أوسع الفارق بينهما، وما أضيق أفق الإنسان.
يعلموننا كل التقنيات كي نواجه صعاب الحياة. ناذرون هم من يعلمونا كيف نحيا حياة صالحة.
مرت من هنا أعداد لا تحصى من أمثالنا، لا شيء يستحق الذكر إلا تكرار للتكرار، النسخ كثيرة، والله يبحث فيكم عن الاستثناء.
تعلمنا أن نتعلم من حياة الآخرين، ولم نتعلم كيف نتعلم من حياتنا الخاصة.
لا يعرف المعنى الحقيقي للحياة إلا الذي يسعى كي يكون قطرة عسل في حياة الآخرين. رغم أن الآخرين ناكرون للجميل، وهذا ما يستدعي أن تكون في حياتهم قطرة العسل تلك.
القلب هو مصدر وعمق الحياة، نعم أؤكد ذلك، خصوصا إذا امتلاء بالإحساس. فما كل قلب يمنح الحياة.
كل الذين صادفتهم، حاولوا أن يعرفوا الكثير عن حياتي، أنا بنفسي لم أعرف عنها إلا القليل حتى الآن.
الحياة وقفة عز، والتاريخ يكشف من كانوا أحياء.
ستعرف الكثير عن حياة الآخرين، الذين تحبهم، إذا كنت تعيش لترى الابتسامة على وجوه هؤلاء.
معظم الذين يعرفونني، يظنون أنني متشائم، أنا كذلك بخصوص مصيرهم، أما مصيري فمتفائل بشأنه لأنني لا أهتم به إلا ناذرا.
الحياة أمل، عمل، صدق… وبعد كل ذلك يأتي الموت.
عن الموت ثانيا…
لا يستقيم أن نتحدث عن الحياة دون الحديث كذلك عن الموت. لكنني حين اتحدث عن الحب لا يمكنني أن أتحدث عن الكره، لا أعرف عنه الا القليل.
الموت، شيء غريب لكنه جدي، غريب لأنه مفاجئ وجدي لأننا نعرف أنه سيأتي مهما تأخر.
كل الناس يموتون، البعض يحيون بعد الموت.
حتى الانتحار موت، لكنه تطرف فيه.
ما يموت فينا ونحن أحياء أشد إيلاما…
لا نكذب حين نتعرض للخذلان بشأن موت شيء فينا، انه يموت فينا فعلا.
الثقة حين تموت فينا لا تتجدد، وان تجددت فتبقى أيضا جثة بدون روح.
بيد أن البغض حين يموت فينا، عكس ما سبق تماما.
عن الوطن ثالثا…
بعد الحياة والموت، يأتي الحديث عن الوطن، ليس اعتباطيا، لكن الوطن هو الأقدر على أن يمنحنا إما الحياة أو الموت.
الوطن إما وطن وإما منفى، وطني أنا منحني اختيار ثالث، اختيار دون خيار.
لا أحب وطنا لا أحب فيه حتى الآلام.
وطني ماض بدون حاضر، وحاضر بدون مستقبل، ومستقبل بدون نحن.
المظلوم كل الأوطان أوطانه إلا الوطن الذي ظلم فيه.
أكره وطني ولا أحب من يكرهه، هذا نوع من الحب تجاهه.
الوطن هو المواطن والمواطنة والتوطن، أما الوطنية فهي مفهوم سياسي وعسكري.
من لا وطن له، يتخذ من الأدب وطنا.
عن الغرابة ثالثا…
الموت بعد الحياة، الغرابة بعد الوطن.
أنا غريب، لا يعني أن الجميع لا يعرفني.
الغربة والغرابة، لا أدري ما هو الفرق لأني لست لساني، لكن في الأدب أظن أني مغترب.
الغرابة نوعان، غرابة المألوف وغرابة غير المألوف.
الغرابة ابتعاد عما نحب وعما نكره. وهذا ما جعلها غرابة، هي شيء لا تعريف له. هي اللاتعريف.
الغرابة ليست ميلنكوليا، إنها شيء أخر.
غرابة الغريب شيء عادي، غرابة القريب شيء عائلي.
الغرابة ليست منفى، هي وطن من لا وطن له.
الغرابة يثيرها أيضا ما تعودنا عليه، ويستنهض تساؤلنا حول ما الدافع للتعود عليه.
لم يتمكن فرويد من إيجاد تعريف دقيق للغرابة، فهل أفعل أنا؟
تمكن محمود درويش من أن يكون غريبا بكل ما أوتي من لغته.
عن الأدب رابعا…
هو ميدان للإخلاص، طوبى للمخلصين في زمن أدب الاسترزاق.
هو قضية، هو مسيرة احتجاج. لا تكتب أدبا إن لم تكن ذا قضية.
إن كانت قضيتك عادلة، فلك مجد أدبي، إن لم تكن لك فلك القراء الرديئون.
الأدب هو ما كان وما ينبغي أن يكون.
الأدب الجيد هو الذي يخلف وراءه تأويلات لا تنتهي، بل تتجدد.
الكتاب الذي لا يضطرك لتعيد قراءته ليس كتابا جيدا.
الكاتب الجيد، شخص عادي قرر ألا يعيش كباقي الأشخاص العاديين.
الكاتب، الكتابة، الكتاب، المكتبة، استغنوا عنهم وسترون الكوارث.
تبا لمن جعلوا من الأدب شعبة لنيل شهادة ما.
عادة ما يتطرق الأديب إلى كل المواضيع، ناذرا إلى الأدب.
عن الحب خامسا...
هو خامس الأركان، وأولهم إن قمت بالعد العكسي.
هو الداء، هو الدواء.
إن قمت بعمل ما فقم به بحب أو لا تقم به في الأساس، حتى إن أحببت فأحبب بحب.
أنا أحبك، ليست مسألة لغوية، ولا تقبل الإعراب، تقبل الاغتراب فقط.
نحن غريبون كثيرا لمن لا يعرفونا، غريبون أكثر لمن يحبونا.
أنا لا أفقه الكثير عن الحب، أنا أكتفي بأن أحب.
محمد هروان. الرباط. 2019

يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.