المرحوم صديقي

“أيها الإنسان المهتوك القلب، الغارق في وحل الصدفة العمياء، في لغة الجنادب التي فقدت القدرة على الطيران، أنت لا تعرف شيئا البتة.” هكذا قال عبد الرحمان منيف في روايته قصة حب مجوسية.

أنا لم أعرفه إلا في الغربة، لم أكتشف حجمه إلا في الأسفار، رغم أنه كان صديقا لي لسنوات الطفولة وظل بعدها كذلك، يقال إذا أردت أن تعرف معدن صديقك فسافر معه، عاشره في المنفى بعيدا عن الديار، وأنا عرفت صديقي هناك، كنا منفيين لوقت ليس بالقصير، اكتشفت حقيقته ومعدنه النفيس، صديقا كان ونعم الصديق، عندما أتاني خبره، تحولت حياتي رأسا على عقب، وكأنني سقطت من ارتفاع شاهق، ما أعظم الصدمة، انكسرت، فقدت الإحساس، كطائر فقد القدرة على الطيران.

كانت الساعة تشير إلى الثامنة صباحا، الجو كان ماطرا، زخات مطر، للتو استفقت، خرجت إلى شرفة البيت كي استمتع بجمال الكون، ريح خفيفة محملة بقطرات تغسل روحي، السعادة تغمرني، أرى الناس في الخارج، هناك من يحمل مظلة وهو في الطريق إلى العمل، هناك من يجري عائدا كي لا يزداد الجو رداءة، استغرب لماذا نصف الجو بالرديء حينما تمطر؟ مع أنه في هذا الوقت يعج بالجمال، الأطفال يلعبون، يتسابقون، غير أبهين بالأمر، يعيشون اللحظة، هم ليسوا كالكبار لا يأخذون الحياة كثيرا على محمل الجد، ما أسعد الأطفال.

 أحضرت لنفسي كأس قهوة، إنها بالنسبة لي أخت هذا المنظر، مكملته، بطعمها الحلو المر، تذكرني بأشياء غائبة، توقظ في مخيلتي الكثير من النوستالجيا، تأثرت بكل هؤلاء الشعراء والكتاب الذين يصفونها، لا أدري هل أحبها لذاتها؟ أم أنني أقلد هؤلاء؟ ابتسم كل ما تذكرت هذا، على أي القهوة رائعة كروعة أشعار درويش، إنها الإحساس، إنها ما يملأ الفراغ، ما يوقظ فينا الكثير من الأشياء، إنها الأمل، إنها الواقع الذي نستسيغه رغم المرارة، حتى الإدمان.

 بعد مدة من جلوسي على الشرفة متأملا الجو البديع، نهضت من على الكرسي، كأن بي شيء غريب، سلت ذاتي، ما الذي يحدث لي؟ راجعت الأمر فقلت في دواخلي إنها لوعة الاستمتاع برونق الطبيعة فقط، لا شيء أخر، الجو جميل، لا أريد ما يعكر مزاجي الهادئ، عاودني الإحساس، كان أقوى من السابق، وكأن شيئا ما حدث أو سيحدث، حاولت مجددا أن أهدأ نفسي، قلت إنها مجرد هلوسات، أحسست وكأن الشرفة ضيقة،  صعدت أكثر، إلى الأعلى، سطح المنزل، الفضاء هنا أرحب، أتنفس أكثر، فتحت دراعاي، المطر يتهاطل بتزايد، الإحساس بالشيء الغريب يغزوني رغم ذلك، ما الذي حدث؟ ماذا يحدث؟ ما الذي سيحدث؟ اعتراني الكثير من الخوف في تلك اللحظات، الأسئلة في رأسي لا تنتهي.

بعد مدة، سمعت صرخات، آهات تتصاعد في الأرجاء، تأكد لي أن حدسي لم يخنني، هو لم يسبق أن خانني، خرجت من الدار، استوقفتني عند الباب امرأة طاعنة في السن، جارتنا الحاجة، نظرت إلي وهمت بالبكاء، الحسرة على محياها لا توصف، أنا فهمت من ذلك أن شيئا ما يعنيني قد حدث، وهو أمر مريب.

  • قولي لي يا خالة ماذا وقع؟ لماذا تبكي؟
  • يا ولدي.. انه..
  • انه ماذا، أخبريني…
  • صديقك يا ولدي…

لم أتصور في تلك اللحظة أن ما سأكتشفه هو خبر رحيله، كان ذلك أخر ما سيحدث بالنسبة لي، لكن من يعرف ما يقع، من يعرف ما الذي تخبئه الأيام، الإنسان لا يعرف الكثير في الكون، فقط يحس، يتألم، يعاني، وأحيانا يربي الأمل.

  • ماذا حدث له؟ هل أصابه مكروه؟
  • ما أعظم ما حدث يا بني..

صرخت بكل ما أوتيت من قوة، يا لهول الصدمة، يا لغدر الزمان، لقد خانتني الأيام مجددا.

  • لقد مات يا خالة، أليس كذلك؟

 لم تقدر أن تنطق بذلك، لم تود أن تجرحني أكثر، بكت فبكت، ثم رحلت، أما أنا فلم أجد لي في هذه اللحظات لا ملجأ ولا حضنا دافئا، الأسى والألم يعتصران قلبي المتهالك، وكأن كل بؤس العالم اجتمع لدي في لحظة. كيف أبكي؟ كيف أتحسر؟ إلى أين أذهب؟ مع من؟ لم أعرف أحدا من ذي قبل يخفف علي بقدر ما كان صديقي يفعل، لكنه الآن في عداد الموتى، لقد رحل، لقد مات…

لماذا أيتها الحياة؟ ما الذي فعلت بحق السماء كي أفقده؟  انه كان بوصلتي، كان الصديق الصادق الصدوق، تشاركنا الحلوة والمرة، لا يخون، لا يغدر ولا يكذب، يحضر في السراء والضراء، انه أعظم فقد عرفته في حياتي، كيف أحيا بعدك عزيزي، أستحي أن أفعل ذلك. هل أرثيك يا صديقي؟ لا أنا لست شاعرا، أخاف أن أخطأ في نظم القصيدة، وأي قصيدة تنظم في رثاء الفقيد؟ بأي اللغات؟ أرثي لحالي بعدك يا صديقي.

  منذ ذلك الحين وطيفه معي، لا يكاد يبرحني، كل الأيام مليئة به، لم أعرف فقدا أعظم منه، إنها تجربة الموت يا سادة، تعلمنا أننا لا نعرف شيئا، لسنا إلا ضيوفا ثقلاء الظل، فليتحملنا الزمن ولو قليلا، منها نتعلم ألا نثق كثيرا في الأيام، لا ندري ما الذي يخبأه الغذ.

محمد هروان.

نُشر بواسطة mohamedharouan

.أحاول قدر الامكان أن اخلق من الحروف فضاء أرحب من الذي اعيش فيه

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ