في المقهى الشعبي بالحي ترى أدخنة متصاعدة وكأنك أمام صورة سريالية، لا وجود لمدخنة ولا لفرن عمومي ولا حتى لحمام قد ينتج مثل هكذا دخان، انه مقهى، مقهى وفقط. رواده في الأغلب من أبناء الحي، وأحيانا بعض الزوار الغرباء، ما أن تطأ قدم أحدهم المكان حتى تتراقص أسئلة عديدة في رؤوس المرتادين لهذا الفضاء، الغرباء أو البرانيين إما أن يكونوا عمالا في مجال البناء قادمون من مناطق أخرى أم بعض المعلمين الجدد حديثو التعيين في مدرسة الحي. يملأ ضجيج مرتفقي المقهى المكان، تسمع قهقهاتهم من مسافات بعيدة، معظمهم عاطلون عن العمل، لا وجود لأعمال ترضي طموحاتهم في المنطقة، أحيانا هناك من بينهم من يسافر نحو الشمال، يمضي هناك أشهر، حين يعود ينفق معظم ما جناه في اقتناء الحشيش ويمضي لحظات عند القحباوات الموجودات شمال الحي، لا يعكر راحتهم أحيانا إلا تفتيش السلطات للمكان.
صاحب المقهى المسمى سي لحسن رجل أربعيني، ذو شارب كثيف، طويل القامة، مدمن حتى النخاع، يتناول الكيف بلا توقف، دائم الحضور في المقهى، يحب أن يرى ما يحدث في المكان بعينيه، يراقب حركات وسكنات النادل، يوظف فتيات أحيانا كنادلات ولكن يداه الخفيفتان اللتان تمتدان نحو كل ما هو دائري من صدور ومؤخرات لا تتركان أية فرصة لاستمرار إحداهن، وهو ليس الوحيد الموسوم بهذه القاعدة السيئة في المقهى. حوله على الدوام ثلة من أصدقائه، يلعبون الأوراق، أو يناقشون أمور الدنيا والدين وأخبار من مات ومن ازداد ومن تزوج ومن طلق في الحي، وأحيانا يتناولون بتحفظ كبير أمور الساسة والسياسيين، يفقهون الكثير من الأمور في الكثير من الأشياء، وخاصة عندما تكون جودة المخدر الذي في حوزتهم جد عالية، عندما ينشب عراك في المقهى يتدخل سي لحسن فتغدوا كلمته مسموعة على الفور.
في الجهة المقابلة لطاولة رباعة سي لحسن طاولة أخرى لا تقل أهمية وسخونة، مواضيع حساسة وتحليلات يتسابقون في تعميقها، بارعون في كل شيء، شباب موهوبين، مغامرات تحكى وكأنك أمام أبطال من عصر أخر، أكبرهم سنا هو نبيل، في عقده الثالث، فتى بديع الخلقة، لا يتناول إلا السجائر، لكن بنهم شديد، عندما يتحدث يسود المجلس نوع من الصمت، يحكي مغامراته المتعددة مع النساء، لم يترك فرجا إلا وزاره،يأتي على الأخضر واليابس، يظل يردد طول الوقت، اللي طاح فالمقلة يتقلى، حبه للنساء والنوم يفوق كل التوقعات، المطلقات والعازبات والأرامل وحتى المرتبطات، أمه تناديه ب “بوبنات” أو “النعاس”، كم من مرة وجدت وهي تجمع خراب غرفته ملابس داخلية للنساء وأغراض أخرى كالأوقية الطبية، أما أبوه فهو إمام مسجد الحي، يشتمه طوال الوقت، ويعتبره ابنا غير صالح، لا يصلي إلا يوم الجمعة، إن هداه الله، يعتبره شوهة ووصمة عار على العائلة المحافظة، كيف لا وهو إمام ينهى عن الفحشاء وابنه أكبر من كل فاحش، يطرده من البيت باستمرار، فتستقبله خدوج وهي قحبة معروفة لا تتردد في استقباله، هو رغم تعدد تجاربه لا يفضل إلا هي، ويقال من طرف بعض الأفواه أنها سحرته، إلى أن تضطر أمه إلى التقاطه من بين سيقان الفاسقة حدوج كما تدعوها فتعيده إلى البيت بعد صراع ضار مع الأب، خدوج هذه قحبة متمرسة، لا يشق لها غبار، يقول كل من زارها بأنها نعمة فوق الأرض، تزاول مهنتها بحرفية عالية، تقيم في الحي منذ زمن بعيد، يقال أنها من مناطق جد باردة في البلاد، وذلك مرجح أن يكون صحيحا، فمظهرها يوحي على ذلك، هناك رغم ذلك من يصفها بالمتغطرسة، لأنها لا تستقبل كل من يرغب في نكحها، تختار زبنائها بعناية، وتداوم على الاستحمام. ونعم القحب قحبها، هكذا يردد نبيل في كل مرة ينطق فيها اسمها.
من بين أصدقاء نبيل شاب آخر لا يقل أهمية وحنكة في الحي بأكمله، هو حسن أو الشاعر كما يحلوا للكثيرين مناداته، يقال بأن لديه شهادة جامعية في مادة الأدب العربي، يحفظ الكثير من الأشعار، ومستواه الثقافي لا بأس به، عندما ينتهي نبيل من سرد مغامراته التقحبينية، يبدأ حسن حديثه، ويستشهد بأدباء وفلاسفة، يستمتع الجميع بأحاديثه رغم أن لا أحد تقريبا يفهمه، يزداد نقاشه أهمية كلما تناول المزيد من الخمر أو ما يعرف هنا ب “الماحيا البلدية” المصنوعة من التمر أساسا، هو لا يحب كثرة العلاقات مع النسوة كنبيل، مرتبط بفتاة واحدة رغم رحيلها، لا أحد يعرف أين هي ولكنه متشبث ومؤمن بعودتها، حاول مرارا أن يقول شعرا في رثائها، هناك من يقول ماتت وهناك من يقول هاجرت سرا إلى الطاليان، مشاعره صافية خالصة، لكنه معطل عن العمل، يكتفي فقط ببعض النقود التي يعطيه إياها أخوه الأكبر عبد القادر مؤذن المسجد، عبد القادر أو عبيقة كما ينادونه، رغم رفضه التام لهذا اللقب، يأتي يوميا لمصاحبة حسن بعد خروجه من صلاة العشاء، يكون حسن في تلك اللحظات في أوج ثمالته. (يتبع)
محمد هروان.
