مقهى السعادة : (الجزء الثاني)

إلى جانبهما صديق أخر يدعى حمودة، شاب ممتلئ البدن، يدعوه الجميع ب “لعجل” رغم أن ذلك يضايقه أحيانا، خاصة عندما يناديه بذلك شخص من هؤلاء الذين يتخذ منهم أعداء، ففي هذا الحي لكل واحد أعداءه، إن لم تصنعهم ظروف موضوعية، يضطر هو لخلقهم في مخيلته، ويواجههم بالرفض ولا يتحمل منهم حتى التحية العادية العابرة، لقد حدث كثيرا أن لاحق حمودة أطفال الحي بالحجارة بعد أن نادوه بذاك اللقب.

لا يتناول هذا البدين المخدرات التي تحتوي على الدخان، ويظل يردد أنا لست “فرانا” فالحمقى هم من يدخلون الدخان لذواتهم، يكتفي بالبيرة، مشروبه المفضل، بليته التي يضحي بالغالي والنفيس من أجلها، لا يتوقف عن شربها، يسافر أحيانا كيلوميترات عديدة كي يقتنيها، إن لم يجدها لدى المروجون المحليين.  لكنه رغم ذلك شخص تقي، يخشى الله كثيرا على حد أقواله، يذكر الله سكرانا كان أم عاقلا، لذلك هناك من يصفه بولي الله، لا أدري لماذا أهل هذا الحي غارقون في توزيع الألقاب، ولو بدون أدنى تعقل أو حسن اختيار. البدين لا يعمل حاليا، كان في السابق حارسا ليليا في المدينة المجاورة، يحرس وكالة تجارية، الآن يكتفي بما يجود به عليه أبوه المتقاعد.

لعجل رغم جسده الممتلئ حد السمنة ليس كبيرا في السن، رغم أن من يراه يسلم فورا بذلك، فقط خلق الله هكذا يكون، ثارة متناسق، ولا بأس في أن نجد بعض الغرائب في الكون في أحيان أخرى، ولعل ذلك ما يزيد الحياة بعض الشاعرية. هذا الفتى السمين حالم جدا، يحلم بفتاة شقراء من أوربا، هناك حيث الملاذ الذي يصبوا إليه، كما حال أغلبية أصدقائه الآخرين، يريد أن يعيش مع شقراء أحلامه هناك في سلم وسلام، عندما يقص على الشباب من حوله أحلامه لا يتملكون أنفسهم، فيستسلمون للضحك بشكل فاضح، يحكي لهم عن مدى عشقه للصدور الرخوة التي تحمر مع كل لمسة، يظل يصف القوام الذي يحلم به، يصف جسدا أنثويا في قمة الرشاقة والبهاء، رغم أنه منذ زمن لم يقم ولو بربع ساعة من الرياضة، وبطنه يسبقه، يسعى لما هو متناقض مع ما هو عليه تماما، يستغربون كثيرا من أحلام لعجل، بعض الأحلام قد تبدوا للكثيرين أحيانا متطرفة، لكن لا بأس من التطرف في الحلم، الحلم كله تطرف، لا بأس  في أن نحلم فيما قد لا يتحقق، هكذا نكون على الأقل حققناه في خيالنا. هكذا يفكر لعجل.

معهم في المجمع أيضا شاب أخر لا يقل غرابة، انه سليم، المعروف بتجاربه الوفيرة في الغربة، حكيه هو مرتبط على الدوام بماضيه، ماض عايش فيه عديد الأصدقاء من عديد مناطق البلاد، عمل في وظائف شتى في الغربة، عمل كورتيا، في البناء، حمالا في الأسواق، نادلا في المطاعم. هو شخص يلقبونه ب ولد ميمتي، لأن أمه معروفة بالوقار في الحي، يحترمها الجميع، لما تسدي لهم من خدمات طوعا، يقال بأن “بركة” ما في يديها، يلجأ إليها المرضى، والعوانس، تعالج الكسور والأعطاب، هناك من يصف سليم بأنه “خرج لها من الجنب”. سليم مثير في أحاديثه، فحين يحكي وقائعه التي يضخمها، أحيانا، يحاول أن يظهر علو كعبه وعظمة تجاربه، كان في كل مرة يجادله فيها أحدهم يشير إلى أسنانه قائلا له “راه طيحنا السنان”، وهي جملة يريد أن يعني بها بأنه ذو خبرة وتجربة، أو في أحيان أخرى كان يقول “راه قطعنا السباط” وهي تشير إلى نفس الشئ، هو أيضا يتناول الكحول باستمرار. (يتبع)

محمد هروان.

نُشر بواسطة mohamedharouan

.أحاول قدر الامكان أن اخلق من الحروف فضاء أرحب من الذي اعيش فيه

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ